Rabu, 16 Maret 2011

أفعال العباد عند المتكلمين

بقلم أنوار معروفى

المقدمة
الحمد لله الذى كان ولا شىء معه، وهو الآن على ما عليه كان الخالق والقادر على كل شيء، الصمد الكريم الباعث نبيه بجوامع الكلم وبدائع الحكم وجعله للناس إماما وبشيرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا، واشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله. (أما بعد).


أول المسائل في اختلاف ﺁراء المتكلمين في أفعال العباد هو التساؤل ثم الجدل بين المسلمين حول القدر. ولقد ظهرت بوادر ذلك في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم. وكان هديه صلّى الله عليه وسلم في الموضوع داعيا إلى الإيمان بالقضاء والقدر دون الحوض في المجادلات حوله، مع حل المسألة حلا عمليا. ولكن ذلك لم يمنع من ظهور الجدل حول الموضوع وتصاعده منذ أواخر القرن الأول الهجرى حتى اليوم، فكان من ذلك ظهور فرقة الجبرية والقدرية ثم يبحث المعتزلة والأشعري والماتريدي والسلف بحثا عميقا.
في هذه الكتابة القصيرة سيبحث الباحث عن ﺁرائ المتكلمين في أفعال العباد. ويحصر الباحث في ﺁرائ المعتزلة والأشعري والماتريدي والسلف عنها ثم سيرجّح بينها.

ﺁراء المتكلمين في أفعال العباد

أ‌. المعتزلة

قال الشهرستاني: اتفق المعتزلة على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيره وشرّه. مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الأخرة. وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي: أن الله عز وجل أقدرهم على ذلك ولا فاعل لهم ولا محدث سواهم، ومن قال بأن الله سبحانه خلقها ومحدثها فقد عظم خطؤه. وجهة تعلق هذه الأفعال بفاعليها ليست "الكسب" بالمعنى الذي تحدثت عنه الأشعري إنما هو الحدوث.
رغم المعتزلة ينكرون أن يكون الله تعالى خالق أفعال العباد، ولكن لم ينكروا العلم الأزلي، فالله تعالى عندهم لم يزل عالماً بكل ما يكون من أفعال خلقه، لا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالماً من يؤمن ومن يكفر أو يعصي.
استدل المعتزلة لتأكيد صحة ما ذهبوا إليه بأدلة عقلية وسمعية. أما الأدلة العقلية كما القول، لو كان الله تعالى خالقا لأفعالهم لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها، وإثباته على الحسن والجميل منها، وذمه وعقابه على القبيح من جملتها. قال القاضي عبد الجبار: "لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم، لواجب أن لايستحقوا الذم على قبيحه، والمدح على حسنه لأن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير لا يصح".
يرى المعتزلة أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور وفساد، فلوكان تعالى خالقا لها، لوجب أن يكون ظالماً وجائراً وفاسداً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وينكرون ذلك للتعارض مع العدل الإلهي، إذ أن أفعال الله عند المعتزلة كلها حسنة، ذلك لأنه تعالى عالم بقبح القبيح ومستغن عنه، وعالما باستغنائه عنه، ومن ثم لا يختار القبيح بوجه من الوجوه. ولا يصح أن يصدر الشر من إله خير حكيم. وقال عبد الجبار: "من أضاف إلى الله تعالى القبائح كلها فإنه يكفر".
قالوا: وكيف يستقيم الحكم على القول بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم. فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خلقه فيهم. فما معنى إرسال الرسول اليهم، وما معنى الاحتجاج عليهم، وما معنى تعويضهم لما قد علم أنهم لا يتعرضون له. هل يكون حكيماً من دعا من يعلم أنه لا يستجيب له ومن لا يرجو إجابته. والحاصل أنها مخلوقة للعباد.
أما الأدلة السمعية كما يقول القاضي عبدالجبار: "ومما يستدل به من جهة السمع، قوله تعالى: (مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ...الأية)، وقوله تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ...الأية)، وقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا...الأية).
وجه الاستدلال بالأية الأولى: إن الله نفى التفاوت عن خلقه. فلا يخلو: إما أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخلقة أو من جهة الحكمة، ولا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخلقة؛ لأن في خلقه المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى، فليس إلا أن المراد به التفاوت من جهة الحكمة على ما قلناه، وإذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة الله تعالى لاشتمالها على التفاوت وغيره.
وجه الاستدلال بالأية الثانية: يقول القاضي عبد الجبار"... إن الله سبحانه وتعالى بين أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام والحسن جميعاً، حتى لو كان محكماً، ولا يكون حسناً لكان لا يوصف بالإتقان، ألا ترى أن أحدنا لو تكلم بكلام فصيح يشتمل على الفحش والخنا، فإنه وإن وصف بالإحكام لا يوصف بالإتقان؛ ثم قال: إذا ثبت هذا ومعلوم أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود والتنصر والتمجس وليس شيئاً من ذلك متقناً؛ فلا يجوز أن يكون الله تعالى خالقاً لها."
وجه الاستدلال بالأية الثالثة: يقول القاضي عبدالجبار: "ومن الأدلة على أن العباد خالقون أفعالهم قوله تعالى في سورة (ص): أية 27. ثم قال: فقد نفى الله تعالى أن يكون في خلقه باطل، فلولا أن هذه القبائح وغيرها من التصرفات من جهتنا ومتعلقة بنا؛ وإلا كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله، فيكون مبطلاً كاذباً – تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا."

ب‌. الأشعري

اهتم الأشعري بمسألة أفعال العباد اهتماما ظاهرا، فهي من المسائل الرئيسة في المذهب. ذهب الأشعري إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله مقدورة له، قال الأشعري في الإبانة الذي نقلها أمل فتح الله زركشي في كتابه: "وإذا كان الله كما وصف نفسه "فعّال لما يريد" ووقع في ملكه ما لايريد، لكن ذلك عن سهو وغفلة وهو محال عليه إذ هما لا يتفقان، وصفة العلم التي ستصف بها الباري، فما دام قد خلق الكفر والمعاصي فهو لابد مريد لها، لأنه لا يجوز أن يخلق ما لايعلمه الله بالجهل –كذلك لا يجوز أن يقع شيء على غير إرادته حتى لا ينسب إليه تعالى السهو والغفلة أو أن يوصف العجز والضعف، فكما لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وكذلك لا يخرج عن قدرته شيء، فالله مريد لكل ما هو واقع في العالم خيرا أو شرا."
وليس للإنسان فيها غير اكتسابها، أي أن الفاعل الحقيقي هو الله، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يد هذا الإنسان. أما الإنسان فإنه يقدر على الكسب ولا يقدر على الفعل ولهذا لا يصح تسمية الإنسان فاعلا وإنما يطلق عليه لفظ كاسب. أما الاستطاعة فهي عند الأشعري مصاحبة للفعل لأنها عنده عرض، لا يبقى زمانين، ومن ثم فإن الله يخلق الاستطاعة في العبد عند قيامه بالفعل. لا يشترط الأشعري الاستطاعة التى رجعت إلى أحوال الإنسان صحة النية و سلامة الجوارح اللازمة لأداء الفعل. وقد ذهب الأشعري كنتيجة منطقية لما تقدم إن إرادة العبد لا تخالف إرادة الله سبحانه وتعالى ففي هذا الكون لا يكون إلا ما يريده الله سبحانه وتعالى.
فالحق في نظر الأشعري أن أفعال العباد تتم بالمشاركة بين الله تعالى وعباده، فلا يستقل أي الطرفين بها وحده ، ولما كان الله لا يحتاج إلى معين في أفعاله الخاصة ، فيبقى أن العبد هو المحتاج إلى عون الله في أفعاله ، ومن ثم فإن الفعل ينسب إلى فاعلين . هما : الله والعبد. ولكن هل للعبد تأثير في فعله أم لا؟
قال الأشعري: "لا فاعل له على حقيقته إلا الله تعالى ولا قادر عليه أن يكون على ما هو عليه من حقيقته أن يخترعه إلا الله تعالى." استدل بقوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) عند الأشعري أن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون.
وللإمام الأشعري دليلان من القياس.
الأول: أن الفعل لايتصور حدوثه على حقيقته إلا من محدِث أحدثه عليها قاصدا إلى ذلك. ولا شك أن العبد إذ يقصد إلى الكفر لا يقصد ما فيه من قبح –والقبح جزء من حقيقة الكفر- فهو إذن لا يحدثه. وكذلك العبد إذ يقصد إلى الإيمان لا يقصد ما فيه من مشقة –والمشقة جزء من الإيمان- فهو لايحدثه، فالكفر والإيمان ليسا من إحداث الكافر أو المؤمن.
الثاني: أن ما يدل على أن الله خالق حركة الإضطرار -وهو حدوثها واحتياجها إلى مكان وزمان- متحقق في حركة الاكتساب، فدل على أن الله خالقها كذلك. ويفرق الامام الأشعري بين حركة الإضطرار وحركة الإكتساب. ففي حالة الإضطرار عجز عن الإمتناع، وفي حالة الكسب قدرة هى ضد العجز.
وأثبت الكسب للعبد بقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وقوله تعالى: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَاخَالِدُونَ). وشرح الأشعري معنى الكسب بقوله: "إن الشيء وقع من المكتسب له بقوّة محدثة" وهذا تدل على أن يكون الفعل بقدرة محدَثة، فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب. فالمكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة والحاصل تحت القدرة الحادثة. ولكنه لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث.
شرح الدكتور محمود قاسم عن معنى الكسب أنه اقتران قدرة العبد بفعل الله، بمعنى أن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلا من الأفعال فإن الله يخلق له في هذه اللحظة نفسها قدرة على هذا الفعل، وهذه الأخيرة هي التي تكسبه، لكنها لا تخلقه. ومن هذا قال سعد عبد الله عاشور: يظهر أن الأشعري لم يجعل لقدرة العبد أي تأثير في فعله سوى ما سمي كسبًا. فدور القدرة الحادثة هو اكتساب و إيقاع فقط، وينفي أبو الحسن الأشعري أن يكون لها دور الخلق.
ولكن أئمة الأشعرية، الذين توالوا على تطوير المذهب وبلورته من بعد إمامهم، قد طوروا - فيما طوروا- حدود هذا "الكسب". فالباقلانى جعل "لقدرة الأنسان الحادثة تأثيرا في وجود الفعل، وفي وقوعه على هيئة مخصوصة" دون سواها.
ويحكى الشهرستانى كما نقله محمد عمارة في تيارات الفكر الإسلامى فيقول: "ثم إن إمام الحرمين تخطى هذا البيان (الذى حدده أبو الحسن الأشعرى) قليلا، عندما قال: أما نفى القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحسن، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهى كنفى القدرة أصلا، وأما إثبات تاثير فى حالة لا تعقل فهو كنفى التأثير. فلابد إذن من نسبة فعل العبد الى قدرته حقيقة. لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال، والفعل يستند وجودا الى القدرة، والقدرة تستند وجودا الى سبب ﺁخر يكون نسبة القدرة الى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب حتى ينتهى إلى سبب الأسباب، فهو الخالق للأسباب ومسبباتها، المستغنى على الإطلاق، فإن كل سبب مستغن من وجه، مختاج من وجه، والبارى تعالى هو الغنى المطلق الذى لا حاجة له ولا فقر.."

ت‌. الماتريدي

والماتريدي لا يرتضي هذه المواقف الفكرية من خلق الأفعال. ذلك لأن الإنسان ليس حرا بإطلاق، وليس مجبرا جبرا محضا. وانما العدل كما ذهب أبو منصور الماتريدي هو المذهب المتوسط بينهما بدليل قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وقول الرسول عليه السلام: "خير الأمور أوسطها."
قال الماتريدي: "والعدل هو القول بتحقيق الأمرين، ليكون الله موصوفاً بما وصف به نفسه". كما قوله تعالى: (ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لآَإِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ...). وقوله تعالى: (فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ). وليكون عدلا مفصلا، كما قال تعالى: (وَمَارَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ). ثم قال الإمام الماتريدي "من الوجه الأول ليست لهم ومن الوجه الثاني لهم." أما حقيقة ذلك قال الإمام : "الفعل الذي هو للعباد من طريق الكسب، والله من طريق الخلق." ومن ثم ذهب الماتريدي أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، وهي كسب من العباد.
أما الفعل الإنساني عند الماتريدي مجموعة عوامل مشتركة. إن الله خلق الإنسان وزوده بالجوارح والقوى الفكرية، والصفات الخلقية، والمواهب المعنوية، وأن الله خلق الإنسان ومنحه حرية جزئية، عليها مدار الثواب والعقاب.
وزادت الماتريدية، وإن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى، والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد، وتأثير العبد هذا هوالكسب . فقدرة العبد عند الماتريدية لها أثر في الفعل، ولكن لا أثر لها في الإيجاد. لأن الخلق يتفرد الله تعالى به، وإنما أثرها القصد و الاختيار للفعل.
قال النسفي –من الماتريدية- في هذه القضية: أن الامر بالطاعة من الله تعالى، والإتيان بالطاعة من العبد، والنهي من الله تعالى، والإنتهاء من العبد. والاستطاعة والقوة من الله تعالى، والاكتساب والجهد والعزم من العبد، فمتى وجد منه الجهد والقصد والاكتساب تحصل له القوة والاستطاعة من الله تعالى مقارنة للفعل، فيستحق الثواب والعقاب بفعل نفسه، وكذلك عطاء الإيمان من الله تعالى والقبول من العبد. والهداية والتعريف من الله تعالى، والقصد والتضرع والدعاء من العبد. والخذلان في المعصية من الله تعالى، والتوبة والإستغفار من العبد، والنعمة من الله تعالى والشكر من العبد. فإذا وجد منه القصد والنية في المعصية، يجري خذلان الله تعالى مع نيته وقصده وعزمه، فإذا وجد عزمه ونيته في الطاعة يجري توفيق الله تعالى مع نيته وقصده وعزمه. فإنما يستحق الثواب والعقاب بالجهد والقصد والاكتساب، وذلك من فعل العبد وصفاته.
وقد استدل الماتريدي بأن أفعال العباد مخلوقة لله بقوله تعالى: (وَإِذْجَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى...) وقوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلاَيَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وقوله تعالى: (عَلَّمَ اْلإِنسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ) وقوله تعالى: (َعلَّمَ الْقُرْءَانَ. خَلَقَ اْلإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ). قال الماتريدي: " أخبر أنه جعل ذلك ففيه دلالة خلق أفعال العباد."
ويسند الإمام الماتريدي أفعال العباد إليهم بدليل السمع في قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَاشِئْتُمْ...)، وقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ...)، وقوله تعالى: (جزآء بما كانوا يعملون)، وغير ذلك مما أثبت لهم أسماء العمّال. قال الإمام الماتريدي: "وليس في الإضافة إلى الله سبحانه نفي ذلك، بل هي الله بأن خلقها على ما هي عليه وأوجدها بعد أن لم تكن، وللخلق على ما كسبوها وفعلوها."
ويسند ايضاً بدليل العقل الذي يحكم بقبح إضافة فعل المعصية إلى الله. قال الإمام الماتريدي: "ثم في العقل قبيح أن تضاف إلى الله الطاعة والمعصية وارتكاب الفوحش والمناكير وأنه المأمور المنهى المثاب المعاقب، فبطل أن يكون الفعل من هذه الوجوه له."
إن الأفعال مؤذية لأهلها، و متعبة و مؤلمة، و تجري أحيانًا على غير ما يريد أهلها، فلو كانت من خلقهم ما كانت كذلك. وسبب ذلك أن اللذة والألم ليست من صنعهم. والمعروف في الخلق أن لا خالق غير الله، ولا رب سواه، ولو جعلنا الإنسان خالقًا للزمنا القول بخالقٍ سواه. إن أفعال الخلق في الحقيقة حركات وسكون، والله قادر عليها، ولولا ذلك ما أقدرهم عليها، وبما أنه قد أقدر العبد، فقد زالت عنه القدرة، وصار قادرًا بقدرة تزول، ومن كان كذلك فهو عبد لا رب.

ث‌. السلف

يعتقد السلف أن أفعال العباد خلق الله تعالى، وكسب من العباد بمنزلة الأسباب للمسببات ، فالعباد لهم قدرة و مشيئة و إرادة ، لكنها داخلة تحت قدرة الله تعالى ومشيئته وإرادته. فالمضاف إلى الله هو خلقها، كقوله تعالى: (الله خالق كل شيء)، والمضاف إلى العباد الذي عليه الحمد والذم هو كسبها، كقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
يعد أبو حنيفة أول متكلم سنى يقول بالكسب فهو يقول: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون، كسبهم على الحقيقة، بتأثير قدرتهم في الإتصاف بها، والله خالقها بتأثير قدرته تعالى في إيجادها." وأبو حنيفة في قوله هذا يفصل بين الكسب والخلق، فالكسب للعبد والخلق والإيجاد لله تعالى، وهو في هذا يتوسط بين القول بالجبر المطلق والقول بالقدر المطلق، فهو لاينفى الحرية عن العبد حتى يكون مجبرا، ولايعطى له القدرة الكاملة حتى يكون مستقلا في تأثيره.
فرأى ابن تيمية كما رأى السلف بأن الله على كل شيء قدير، فيدخل في ذلك أفعال العباد. ورأى أيضا أن الإنسان غير مجبور في أفعاله ولا حرا طالقا في أفعاله دون تدخل مشيئة الله وارادته فيها، وذلك بقوله: "للعبد قدرة وإرادة وفعل وهبها الله له لتكون أفعاله حقيقة لا مجازا، مع إعتقادهم أن الله خالق كل شيء."
ويقول الطحاوي :" وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد." شرح عبد الغني ذلك بقوله: "والفرق بين الخلق والكسب أن المقدور مخترع ومكتسب، فمن حيث كونه مخلوقا يضاف إلى الله تعالى بجهة الاختراع، ومن حيث كونه كسبا يضاف إلى العبد، ولا استحالة في دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين بجهتين مختلفين.
ولكن ما هو أثر قدرة العبد في أفعاله؟ ويجيب عن هذا التساؤل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فقد وضح هذه القضية توضيحًا تامًا فقال :" التأثير اسم مشترك قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع و التوحيد بالاختراع ، فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله لم يقله سني … وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما في صفة من صفات الفعل أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات ، فهو أيضًا باطل بما بطل به التأثير في ذات الفعل … و إن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة ، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب واسطة في خلق الله - سبحانه و تعالى - بهذه القدرة ، كما خلق النبات بالماء … وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط و أسباب فهذا حق، وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركًا ، و إلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركًا"

الدراسة التحليلية النقدية

مما تقدم يتبين لنا أن ﺁراء المتكلمين في افعال العباد ينقسم إلى القسمين. اعتقد قسم الأول أن العباد خالقون لأفعالهم خيرا وشرّا، وينكر أن الله خالق أفعال العباد، وهو قول المعتزلة. واعتقد قسم الثاني أن أفعال العباد تنسب إليهم فعلا وكسبًا، وتنسب إلى الله خلقًا و قدرًا و إيجادًا مع بعض الفروق الدقيقة في نسبة الفعل إلى العبد ومدى تأثيره فيه. وهو قول أهل السنة والجماعة (الأشعري والماتريدي والسلف).
لا شك أنه يجب الاعتقاد بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه لا يشاركه في خلق الأشياء وتدبير الكون أحد من خلقه، وأنه لا ينازع إرادته المنشئة المكونة أحد، وأنه لا يقع في الكون ما لا يريد، فإنه سبحانه وتعالى فعال لما يريد، وأن العبد وقدرته واستطاعته واختياره كله مخلوق لله سبحانه و تعالى كما قال سبحانه: (والله خلقكم وما تعملون)، وقوله تعالى: (الله خالق كل شيء).
ومما يستدل به المعتزلة قوله تعالى: ( مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ...الأية)، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ...الأية)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا...الأية)، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ...الأية). يرى المعتزلة أن فيه دلالة قدرة العباد لخلق أفعالهم. إذا يكون ذلك الصحيح، كيف ينكر المعتزلة أن لا يرجع بقوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) (الله خالق كل شيء)، إلى أعمالهم؟ فمن ثم، لا شك أن أقوال ومعتقدات المعتزلة - أيضًا – ظاهرة البطلان لمخالفتها النصوص القرآنية الصريحة الواضحة.
قال سعد عبد الله عاشور: "فالحق أن الله تعالى خالق لجميع أفعال العباد اختيارها واضطرارها، وهذا يثبت من وجوه."
1. إنه لا يمكن أن يكون الإنسان خالقًا لفعله، لأنه يمتنع اجتماع قدرتين مؤثرتين مستقلتين على مقدور واحد، من جهة أن الشيء لا يكون أثرًا إلا لمؤثر واحد، ولذا يقول الإمام أبو حنيفة: "إن دخول مقدور تحت قدرتين إحداهما قدرة الاختراع، والأخرى قدرة الاكتساب جائز، وإنما المحال اجتماع مؤثرين مستقلين على أثر واحد"
2. إن العبد لو كان موجدًا لأفعاله لكان عالمًا بتفاصيلها ، وهذا غير صحيح، لأنه أحيانًا يأتي بالزيادة والنقصان، وأحيانًا يصدر منه أفعال وهو نائم لا شعور له بتفاصيل كمياتها أو كيفيتها، وهذا في بسائط أموره فضلا عن معتقداتها ودقائقها
3. إن العبد لو كان موجدًا لفعله بقدرته واختياره استقلالا، لكان متمكنًا من فعله وتركه، ويلزم على هذا ترجيح فعله على تركه، محتاجًا إلى مرجح، لأنه لو لم يتوقف على ذلك المرجح لكان صدوره اتفاقًا لا اختيارًا، وأيضًا لو لم يكن محتاجًا إلى مرجح لكان وقوع أحد الجائزين غير مفتقر إلى سبب، وهذا يفضي إلى القول بجواز ألا يكون لهذا العالم صانع أوجده، ورجح أحد طرفيه الجائزين – الوجود والعدم – على الآخر، وهذا معلوم بطلانه، فيبطل ما يؤدي إليه، ثم إن المرجح الذي يحتاج إليه فعل العبد، لا يعقل أن يكون صادرًا عنه باختياره، وإلا لزم التسلسل المعلوم بطلانه، فيلزم أن يكون صدور الفعل عند هذا المرجح واجبًا، بحيث يمتنع تخلفه، فيكون الفعل اضطراريًا لازمًا لا يستقل العبد فيه استقلالا تامًا وهذا يعني أن الخالق للفعل هو الله تعالى.
الباقى هو أهل السنة والجماعة –يعنى الأشعري والماتريدي والسلف- فهم قد اتخدوا موقفا وسطا بين المعتزلة/القدرية والجبرية على وجه العموم يثبتون القضاء والقدر، ويثبتون اختيارة العبد، ويسندون أفعاله اليه على سبيل الكسب، ويسندونها الى الله تعالى على سبيل الخلق.
وقد استدلوا بأن أفعال العباد مخلوقة لله بقوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلاَيَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وقوله تعالى: (عَلَّمَ اْلإِنسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ)، وقوله تعالى: (َعلَّمَ الْقُرْءَانَ. خَلَقَ اْلإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ). وقوله تعالى: (الله خالق كل شيء)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وغير ذلك من النصوص التي ثبت الفعل لله.
ويسندون أفعال العباد إليهم بدليل السمع في قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَاشِئْتُمْ...)، وقوله تعالى: (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُر)، وقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ...)، وقوله تعالى: (جزآء بما كانوا يعملون)، وقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). وقوله تعالى: (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَارَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، وقوله تعالى: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَاخَالِدُونَ). وغير ذلك من النصوص التي ثبت الفعل للإنسان.
ومن ثم اتفقوا أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وللعباد القدرة سمّوها الكسب. والقول بالكسب(القدرة المحدثة) من الأشعري والماتريدي والسلف قول وسط بين القائلين بالجبر المطلق والاختيار المطلق، لكن اختلفوا في التعبير عن معنى الكسب. أهم الإختلافات هي التعبير عن أثر قدرة العبد.
هذه القدرة لا أثر لها عند الأشعري في الفعل. وهذا القول هو الذي دفع بكثير من العلماء إلى أن ينسبوه إلى الجبرية. أما الماتريدي فالقدرة عنده لها أثر في الفعل ولكن لا أثر لها في الإيجاد لأن الخلق ينفرد الله تعالى به، وإنما أثرها في القصد والاختيار للفعل، فالمؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى وفي وصفه طاعة أو معصية قدرة العبد. هذا قول وسط بين الأشعري والمعتزلة. فالسلف الذي نقله إبن تيمية يرى أن التأثير في الأشياء يكون بمباشرة الأشياء والقيام بفعلها. و أن للعبد مشيئة و اختيار، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره. يقول الباحث أن هذا البحث غير عميق من غيره.


الأستنتاج

بعد بحث الاراء الكلامية في أفعال العباد من المعتزلة والأشعرية والماتريدية والسلف يستنتج الباحث أن ﺁراء المعتزلة في أفعال العباد باطل وغلط لمخالفتها النصوص القرﺁنية الواضحة. والصحيح هو ﺁراء أهل السنة والجماعة (الأشعرية والماتريدية والسلف). ولكن في بعض ﺁرائهم إختلاف، الراجح هو ﺁراء الماتريدي لصحة الاستدلال عقلا و نقلا.
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين انتهى البحث عن ﺁراء المبكلمين في أفعال العباد, ونسأل الله أن ينفع به قارئه ومستمعه والناظر فيه, ونسأل الله أيضا الرشاد والثبات والسلامة في الدين والدنيا. ونشكر إلى الأستاذ أمل فتح الله زركشي الذي تعلمنا معه في القضية الإعتقادية الدينية.


قائمة المراجع
القرﺁن الكريم
إبن تيمية، مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، المجلد الثامن، (المدينة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004)
أبو منصور الماتريدي، كتاب التوحيد، تحقيق الدكتور بكر طوبال اوغلي والدكتور محمد ﺁروشي، (بيروت: دار صادر، دون سنة)
الأشعري، كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع
أمل فتح الله زركشي, علم الكلام: تاريخ المذاهب الإسلامية وقضاياه الكلامية, (فونوروكو: جامعة دار السلام, ٢٠٠٦)
بلقاسم الغالى، أبو منصور الماتريدي حياته و أراؤه العقدية، (تونس: دار البركى، 1989)
حمد السنان وفوزي العنجري، اهل السنة الأشاعرة شهدة علماء الأمة وأدلتهم، (دار الضياء)
حموده غربة، أبو الحسن الأشعرى، (القاهرة: مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية، 1973)
سعد عبد الله عاشور، موقف الفرق الإسلامية من أفعال العباد، في مجلة الجامعة الإسلامية المجلد التاسع–- العدد الثاني، 2001
سفر بن عبد الرحمن الحوالى، أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية
الشهرستاني، الملل والنحل الجزء الأول، (بيروت: دار المعرفة، 1993)
عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، (القاهرة: مكتبة وهبة، 1996)
عبد الرحمن بدوي، مذاهب الاسلاميين المعتزلة الاشاعرة الاسماعيلية القرامطة النصيرية، (بيروت: دار العلم للملايين، 1997)
عبد الغني الغنمي، شرح العقيد الطحاوية، تحقيق محمد مطيع الحافظ ومحمد رياض المالح، (دمشق: المطبعة العلمية، 1995)
على عبد الفتاح المغربي، الفرقة الكلامية الإسلامية: مدخل ودراسة، (القاهرة: مكتبة وهبة، 1995)
عوّاد بن عبد الله المعتق، المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، (الرياض: مكتبة الرشد، 2001)
غالب بن علي عواجي، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبين موقف الإسلام منها، (الرياض: المكتبة العصرية الذهبية، 2001 )
محمد صالح محمد السيد، مدخل إلى علم الكلام، (القاهرة: دار القباء، 2000)
محمد على أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفى فى الاسلام المقدمات العامة الفرق الاسلامية و علم الكلام-الفلسفة الاسلامية، (دار المعرفة الجامعية، 2000)
محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامى، (القاهرة: دار الشروق، 2008)
ميمون بن محمد النسفي، بحر الكلام، تعليق ولي الدين محمد صالح الفرفور، (دمشق: مكتبة دار الفرفور، 2000)
يحي هاشم، تجديد المنهج في العقيدة الإسلامية، (القاهرة: دار الافاق العربية، 2007)
محمد عمارة، المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، (القاهرة: دار الشروق، 1988)
عبد الرحمن بن محمد سعيد، موقف ابن حزم من المذهب الأشعري كما في كتابه الفصل في الملل والنخل، (الرياض: دار الصمييعى، 1997)

Pengunjung