Senin, 22 November 2010

الخوارج وآراؤها الكلامية

بقلم: أنوار معروفى

المقدمة
اول فتنة نتج عنها الإفتراق في هذه الأمة, الفتنة على عثمان بن عفان حيث اعقبت قتله . هذا الأمر يؤدي إلى موقعة "الجمل" بين علي بن أبي طالب و عائشة، ثم موقعة "صفّين" بين علي و معاوية فانتهت الموقعة إلى عزل علي عن الخلافة الحق، وانتقالت الى معاوية. وهذه الموقعة ليست تنقسم الى النفرين –حزب علي و معاوية- فقط, ولكن تلد الفرقتين المتعارضتين في مدارس الفكر (الخوارج و الشيعة). فقد اتفقتا فى أصل الغلو, واختلفتا فى صوره. فكان غلو الخوارج فى تشددهم فى الدين و الأحكام, و غلو فى تكفير علي و من فى القتال. وكان غلو الشيعة فى الأشخاص, يتعصبون شديدا لعلي وال البيت .اولا كانتا نشأتا حزبا سياسيا ثمّ تطورتا الى فرقتين فى العقيدة.

في هذه الكتابة القصيرة لايبحث الباحث عنهما جميعا الاّ الخوارج الذين غلووا في ارائهم الكلامية. راى الباحث أن هذا الأمر الأليق والأنسب أن يكشف عن أصولهم و مناهجهم المزعومة الباطلة. ويحصر فيه عن (١) نشأة الخوارج ومنهجهم الكلامى (٢) ﺁرائهم الكلامية: الإمامة وحكم مرتكب الكبيرة و والتوحيد والقدر والعدل والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، (3) و الخاتمة.

نشأة الخوارج
تعد الخوارج اول فرقة سياسية و دينية ظهرت فى الإسلام. وقد اجمع المؤرخون على أن السبب الرئيس لخروجهم هو رفضهم للتحكيم الذى تمّ بين علي و معاوية فى موقعة "صفّين". ثم يكفرون علي بن أبي طالب و معاوية والحكمين ومن رضي بحكمهما بعد التحكيم, وقالوا : "لا حكم الا لله" اخذا بظاهر قوله تعالى ﴿إن الحكم الّا لله﴾ و رَغم الخوارج أجبروا علي على قبول التحكيم حين ظهرت مهزوم معاوية.

الخوارج في اللغة جمع خارج. خارجي اسم مستق من الخروج، وقد أطلق العلماء اللغة كلمة الخوارج في أخر تعريفاتهم اللغوية في مادة "خرج" على هذه الطائفة من الناس، معللين ذلك بخروجهم عن الدين، أو على الإمام علي، أو لخروجهم على الناس. ولكنهم لايعدون أنفسهم خارجين عن الدين بل خارجين من أجل الدين، ومن أجل إقامة شرع الله، متمسكين بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إختلف العلماء في التعريف الإصطلاحى للخوارج. منهم من خصهم بالطائفة الذين خرجوا على الإمام علي. ومنهم من عرفهم تعريفا سياسيا عاما، اعتبر الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجا فى أي زمن كان. قال الشهرستانى: " كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يُسمى خارجياً سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان ".

يفهم من قول الشهرستانى أن الخوارج مستمرون إلى اخر الزمان. هذا هو وفقا لقول النبي عن على أنه قال: "وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة)".

وقال شيخ الإسلام تعليقا لهذا الأثر : "وهذه العلامة التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي علامة أول من يخرج منهم ليسوا مخصوصين بألئك القوم، فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لايزالون يخرجون إلى زمن الدجال، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر".

ولقد أطلقت عليهم عدة أسماء وألقاب سوى الخوارج، منها أنهم سموا "حرورية" والسبب من اجل السم لأنهم لم يرجعوا مع على إلى الكوفة واعتزلوا صفوفه ونزلوا بحروراء فى أول أمرهم. وسمّوا "شراة" لأنهم قالوا شرينا أنفسنا فى طاعة الله، وسمّوا "مارقة" وذلك للحديث النبوى الذي أنبأ بأنه سيوجد مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمي، الإ أنهم لايرضون بهذا اللقب، ويقال لهم "الْمُحَكِّمَة" لإنكارهم التحكيم، وقولهم : "لا حكم إلا لله".
انقسم الخوارج الى عشرين فرقة بعضها أصول بعضها فروع. أما الأصول كما رأى الأشعري فهم الأزارقة والإباضية. أما عند الشهرستانى فهم: المـــُــحكِمة والأزارقة والنجدات والعجاردة والثعالية والإباضية و الصفرية. أما الفروع عند الأشعرى فهم العطوية والعجاردة والصفرية والبيهية.

وقد اختلفوا فيما يجمع الخـــوارج على إفتراق مذهبها, ولكن قال البغدادي: الصواب ما حكاه أبو الحسن الأشعرى، وهو يقول:" الذي يجـــمعها إكفار علي وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوّب الحكمين أو أحدهما والخــــــروج على السلطان الجئر"وهم لم يجمعوا على تكفير مرتكبي الذنوب.

أما رجال الخــــوارج و رؤوسهم الأوائل من الأدباء ((أبو عبيدة مَعْمر بن المثنّى))، وكان صفرياً، ومن شعرائهم: ((عمران بن حطّان))، وهو صفريّ، ومن مؤلّفي كتبهم، ومتكلّميهم: ((عبد الله بن يزيد))، و((محمد بن حرب))، و((يحيى بن كامل))، وهؤلاء إباضية، و((اليمان بن رباب))، وكان ثعلبيّاً، ثم صار بيهسيّاً، و((سعيد بن هارون)) ، وكان إباضيّاً. والخوارج تدّعي من السلف ((أبا الشعثاء جابر بن زيد))، و((عكرمة))، و((إسماعيل بن سميع))، و((أبا هارون العبدى))، و((هبيرة بن مريم)).

منهجهم الكلامي
الـخــوارج الأولون ليسوا أهل كلام بالمعني الإصطلاحى إنما كانوا أهل خصومات وجدل. كانت مقولات الــخــوارج بعيدة عن الكلامية والفلسفيات والعقليات المتكلفة و التأويل. ولم يعرف فيهم الكلام وتأويل الصفات إلا بعد ظهور المعتزلة ومتكلمي الشيعة. وقال السكسكسي في البرهان: "ومذهب الــخـــوارج كمذهب المعتــــــــزلة إلا في الإرادة"، وهذا يعني أنهم تحولوا في أصولهم العقدية إلى مذاهب المعتـــــزلة كما هو الشأن في الزيدية من الشيعة، ولا تزال الإباضية في أكثر أصولها على ذلك.
ومناهجهم الكلامية في تقرير العقيدة على ما يلي:
أ‌. تقديم العقل على النقل
ب‌. الإستدلال بالتأويل الكلامي
ت‌. ردهم بخبر الواحد
ث‌. الإستدلال بالدليل العقلي

ﺁراؤهم الكلامية
كما تري أن الــخــوارج الأوائل ليسوا أهل كلام بالمعني الإصطلاحى إنما كانوا أهل خصومات وجدل. تحولت الــخــــوارج إلى فرقة كلامية بعد ظهور المعتـــــزلة ومتكلمي الشيعة. أما ﺁراؤ معظمهم الكلامية يحصر فيما يلي:

أ‌. في نظام الحكم (الإمامة و الخلافة)
اتفقوا بأن صلاح المسلم الذي توافر فيه شرط الإمامة. أنهم لا يشترطون في الإمامةِ النسبَ القريش أو العربي. والواقع أن جــــــــواز الـــخــــوارج أن تكون الإمامة في غير قريش، ينبع من نظرتهم إلى مفهوم الدولة في الإسلام، فهم يرمون إلي إقامة أمة إسلامية إساسها الدين، ولا تقوم على عصبية معينة، وتشمل كل المسلمين، ويتمتعون بكل الــــحقوق والواجبات, ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.

خلافا لرأي الشيعة الذين قالوا: أن الإمامة شأن من شؤون، والإمام يتم بالنص أوصت بها قبل وفاة الرسول، وقالوا بإمامة على بن أبى طالب وهو قريشى، أما الـــخـــوارج قالوا: أن مصدرها هو "الرأي" وليس الكتاب والسنة.

ب‌. في الـــخروج أو الثـــــورة
أجمع الخوارج علي وجوب الخروج (الثورة) علي أئمة الجور، فعندهم أن الخروج واجب إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الـــجور أربعين رجلا ومنعهم أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو غير السيف. ووجوب الـــــخـــــروج على جماعة المسلمين ومعاملتهم واستحلال دمائهم.

ت‌. في تقويم التاريــــخ الإسلامي:
يتبنى الــــخـــــوارج ويوالون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان قبل أن يحدث الأحداث التى جدت في السنوات الأخيـــــــرة، وأيضا خلافة علي بن أبي طالب قبل القبول بالتحكيم. أما سنوات عثمان الأخيرة فإنهم يبرؤون منها، وأما علي بعد التحكيم، فإنهم يكفرونه وبعضهم يكفره "كفر شرك" في الدين، وبعضهم يكفر "كفر نعمة" فقط أي جحود النعم الإلهية المتمثلة في واجبات الخـــــلافة على أمير المؤمنين، وهم يبــــرؤون من خصوم علي، سواء كانوا أصحاب "موقعة الجمل" أو معاوية ومن.

ث‌. في مرتكب الكبائر:
هذه المسألة كانت من المواقف المتميزة، موقف الخوارج الذين نزعوا إلى التشدد والتطرف . و يحكم الـــخـــــوارج على الذين يموتون مرتكبين لذنوب كبائر، دون أن يتوبوا منها، يعتبرونهم مرتدين وكافرين ويحكمون عليهم بالخلود في النار، بل لقد أوجبت الأزارقة قتلهم مع اولادهم ونسائهم.

هذا الموقف نتيجة لاعتبارين، الأول: هو موقفهم المتشدد فى الدين، فقد كانوا أهل عبادة و تقوى، وتمسكوا بظواهر النصوص، ولم يقبلوا التهاون أو التفريط فى حـــد من حدود الله. و الثانى: هو جعلهم العمل من الإيمان وركن من أركانه الأساسية، فالإيمان عقد، والعمل احد أركان هذا العقد، ومن أخل بأحد شروط العقد، سقط العقد كله، وخرج من الإيمان إلى الكفر. إذان يحكمون بتكفير مرتكب الكبائر لفقد أركان الإيمان.

ج‌. قولهم في التوحيد (الصفات الإلهية):
أجمع الـــخـــوارج على تنــــــزيه الذات الإلهية عن أي شبه بالمحدثات، بما فى ذلك نفي مغايرة صفات الله لذاته، أو زيادتها عن الذات، وذلك حتى لا يفتح الباب لشبهة توهم تعدد القدماء. قال الأشعري: "فأما التوحيد، فإن قول الــــخوارج فيه كقول المعتزلة" ثم قال: "الإباضية تخالف المعتزلة في التوحيد في الإرادة فقط".

ح‌. قولهم في القرﺁن:
انطلاقا من موقف التوحيد، قالوا بخلق القرﺁن -كلام الله- حتى لا يؤدي القول "بقدم الكلمة" إلى ما أدى إليه في "المسيحية" بأن كلمة الله هو عيسى بن مريم: قديمة كالله. قال الأشعري: "وكل الخوارج يقولون بخلق القرﺁن" إلا أكثر الإباضية يقولون أن القرﺁن غير المخلوق.

خ‌. في القدر:
قال الأشعري: منهم من يذهب إلى قول المعتزلة على أن الله تعالى غير خالق لأفعال العباد وأن العباد هم الخالقون لأفعالهم مع أنهم يؤمنون بأن الله تعالى عالم بكل ما يعمله العباد وأن الله تعالى هو الذي أعطاهم القدرة على الفعل أو الترك. ومنهم يميل إلى الإثبات على أن الله تعالى خالق لأفعال العباد.

د‌. في الوعد و الوعيد:
قولهم و قول المعتزلة واحد، بصدق وعد الله للمطيع وعيده للعاصى، يوجبون على ربّهم أن ينفذ وعده و أن يعطي العبد أجر ما كلفه به من طاعات إستحقاقا منه على الله، و أن ينفذ وعيده للعاصى، ولا يجوز عليه تعالى الخلف و الكذب . إلا أن الــــخوارج يقولون: أهل الكبــــــــائر المنتحلين للإسلام يعذبون عذاب الكـــــافرين، والمعتزلة يقولون ليس كـــــــــعذاب الكافرين.

ذ‌. في العدل:
اتفق الــــــــخوارج على إثبات العدل و نفي "الجور" عن الله، بمعني إثبات القدر والاستطاعة المؤثرة للإنسان، ومن ثم تقرير حرية واختياره. ففعله المقدور له هو من صنعه، على سبيل الحقيقة لا المجاز. ومن ثم فإن مسؤولية متحققة عن فعله هذا، فجزاؤه بالثواب والعقاب "عدل" بخلاف الجبرية الذين يقتضي قولهم بالجبر الحاق "الجور" و الحاق تعالى عن ذلك لإثابته من لا يستحق وعقابه من لا حيلة له في الذنب لا سبيل له للفكاك من المكتوب و المقدور.

ر‌. في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
تميز موقف الخوارج عن بعض الذين قالوا بهذا الأصل من أهل السنة و أصحاب الحديث، ذلك أن الخوارج قد جعلوا لهذا الأصل صلة وثيقة بالفكر السياسي والتغيير للظلم و الجور الذي طرأ ويطرأ على المجتمعات، كما جعلوا القوة "قضية السيف" أداة أصيلة وسبيلا رئيسيا من أدوات النهي عن المنكر وسبيل للجور والفساد.

التحليل النقدي
1. نقد المناهج
الــــخوارج الأولون من أهل خصومات وجدل بلا علم ولا فقه، والتعالى على العلماء . أخذوا النصوص تبريرا لأهوائهم و جهالهم، لذلك كثرت تنازعهم وافتراقهم فيما بينهم، وإذا اختلفوا تفاصلوا وتقاتلوا.

واستدلوا بالأيات الواردة في الكفار، وجعلوها في المخالفيىن لهم من المسلمين، كما قال فيهم إبن عمر –رضي الله عنهما-: " انطلقوا إلي ﺁيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" واقتصارهم على الإستدلال بالقرﺁن غالبا، و خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ماليس بحسنة حسنة. إذان لا يقبل المسلمون أكثر أرائهم.

أما منهجهم الكلامى بعد ظهور المعتزلة ومتكلمي الشيعة هي الإستدلال بالدليل العقلي، يعني الإعتماد على العقل لا في مــــــجاله. إستحدمت الـــــــــــــخوارج العقل لمعرفة عالم العيب والشهادة معا. من المعروف أن العقول تتعامل مع الأمور المحسوسة على سبيل التصور و التخيل . فكان هذا سببَ ضـــــــــــــــــلال بعضهم إلى حد كبير. و كان قال النبي: "تفكروا فى خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتهلــــــــــــــــكوا".

شرخ أمل فتح الله زركشي حديث النبي: "ومن هنا كان مجال العقل واضحا جاليا وهو التفكـيــــــــــــــــــــــر و النظر فى خلق الله حتى يصل الإنسان إلى الإيـــــمان بالله الواحد القهار، وعدم التفكيـــــــــــــــــر في ذات الله، لأنها ليست مجـــــــــــــــــــــــــالا للبحث والنظر من قبل عقل الإنسان" . وراى الباحث أن الـــــــــــــــــــخوارج أخطأ فى الإستعمال العقل.

2. نقد الأرائ
كانت تعاليم الخوارج وعقائدهم الغلو و التشدد فى الدين، و الأحكام, و التكفيـــــــر و القتال من يخالفهم من المسلمين، ولذلك لم يبق مذهبهم إلى اليوم إلا مذهب الإباضية .قال مصطفى حلمى: "وهم يعيشون فى شمــــــــــــــــــــــــال أفريقا كـــــــــــــتونس و الجزائـــــــــــــر كما يسكن بعضهم أيضا فى عمان وزنجــــــــــــــــــــــــــــبار" .

و من ﺁرائهم التى تجب أن ينقد هي تكفير من يخالفهم من المسلمين و مرتكب الكبيرة. بل يكفرون الصحابة من المبشرين بالجنة مثل عثمان، و على، و صاحب "الجمل". فى قضية تكفير عثمان فإنهم يحتجون بأنه اختار أمراءه من أقاربه ويحدثون الفساد. فالجواب هنا كما قال أمل فتح الله زركشي: "رغم أن عثمان اختار أمراءه من الأقارب، إلا أنهم من الشخصيات الممتازة والأقويـــــــــاء ولهم كــــــــــــــفاءة فى تنظيم شؤون البلاد كما حدث على عمرو بن عاص فى إسلام مصر، و معاوية فى إمارة سوريا و سعد بن وقاص فى إمارة العراق وغيرها" . ها هي ذه إجتهاد عثمان، اذا اجتهاد فأصاب وله أجران، وإن أخطأ فله أجر. وكذلك قضية علي و صاحب "الجمل" كانوا يجتهدون فى أمر السياسة. إذ أخطأ الــــــــــخوارج، أما السبب هنا، لا يفهم الــــــــخوارج نظام الإجتهاد فى السياسة. أخطأ ايضا بسبب خروجهم من الإمام الحق اختاره المسلمون بالإجماع.

فى قضية تكفيـــــــــــــــــــــر مرتكب الكبيـــــــــــرة، تلمس الخوارج لما ذهبوا اليه من تكفير أهل الذنوب بعض الايات و الأحاديث، وتكلفوا في رد معانيها إلى ما زعموه من تأييدها لمذاهبهم، وهي نصوص تقسم الناس إلى فرقين: مؤمن و كافر، قالوا: وليس وراء ذلك الحصر من شيئ. أما تلك الأدلة هي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآأَنزَلَ اللهُ فَأُوْلاَئِكَ هُمُ الكَافِرون﴾
ووجه إستدلالهم بالأية الأولى، أن الله تعالى حصر الناس فى قسمين: قسم ممدوح وهم المؤمنون، وقسم مذموم وهم الكفار، والفساق ليسوا من المؤمنين، فإذا هم كفار لكونهم مع القسم المذموم. استدلالهم هذا لا يسلم لهم، ذكر فيها فرقين لا يدل على نفي ما عداهما، والأية كذلك واردة على سبيل التبعيض "بمن"، أي بعضكم كافر و بعضكم مؤمن، وهذا لا شك في وقوعه، ولم تدل الأية على مدعى الخوارج أن أهل الذنذب داخلون في الكفر .

أما بالأية الثانية، فقد زعموا أنها شاملة لكل أهل الذنوب، لأن كل مرتكب للذنب لابد و أنه قد حكم بغير ما أنزل الله. وقد شملت الفساق، لأن الذي لم يحكم بما أنزل الله يجب أن يكون كافرا، والفاسق لم يحكم بما أنزل الله حين فعل الذنب. وهذا الإستدلال مردود كذلك. لأن الأية قد تكون واردة على من إستحل الحكم بغير ما انزل الله، أما أن يدعي الشخص إيمانه بالله و يعترف بأن الحق هو حكم الله فليس بكافر، وإنما هو من أصحاب المعاصي حتى تقام عليه الحجة.
هذا الموقف (تقسيم الناس إلى فرقين: مؤمن و كافر) نتيجة لجعلهم العمل من الإيمان وركن من أركانه الأساسية. ويوجب الباحث أن العمل ليس من الإيمان.كما قال الأشعري:" إن قال القائل: ما الإيمان عندكم بالله تعالى؟ قيل له: هو التصديق بالله". قال أبو منصور الماتريدي: "الإيمان مجرد التصديق، و الإقرار شرط لاجراء الأحكام في الدنيا " كما قال النبى: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم علي الله". وعند اكثر أهل السنة والجماعة، الإيمان هو الإقرار باللسان و التصديق بالقلب. أما العمل شرط لتحقيق الإيمان الكامل. إذان، يقول الباحث كما قال علماء من أهل السنة أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة عصاة فساق، وأن مرتكب الكبيرة لا يكفر فى الدنيا، وفى الأخرة أمره غيبي، للوعيد إن شاء الله عذبه و ان شاء غفر له، ولا يخلد في النار، وإنما يخرج بعد تطهيره، وبشفاعة محمد، لأهل الكبائر من أمته.

أما فى قضية الإمامة فهم يعبـــــــــــرونها من الفروع وليس من الأصول، قال أمل فتح الله زركشي: "وفي شروط الإمامة فالــــــــخوارج قد أصابوا وكان رأيهم مطابق بالكتاب و السنة" . وقال ابن حزم: "اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الـــــــــخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التى أتى بها رسول الله حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة إنما عليهم أن يتعاطوا الحق فيما بينهم" .

وفي مسألة التوحيد فإنهم ينــــــــــــزهون الذات الإلهية بنفي الصفات الله تعالي أصلا، ولذلك صرحوا أن الصفات عين الذات. إن كانت الصفات قديمة لكان الله تعدد القدماء، إن كانت الصفات حادثة لكان الله تعالى محــــــــــــــلا للحلول الحوادث. وذلك الموقف تخالف الكتاب و السنة، لأن الله تعالي جعل لنفسه صفات فى القرﺁن و سنة نبيه، وإثباتها ليست شركا. أن الصفات ليست غير الله تعالى، لأن الغيرين موجودين يتصور قيام أحدهما بدون الأخر.
وإذا لم تكن الصفات غير الله تعالى ولا الصفات أغيارا، لم يكن هذا قولا بالقدماء بل يكن قولا بقديم واحد.

من موقف التوحيد، قالوا بخلق القرﺁن -كلام الله-. هذا من قول المعتزلة. خلافا لقول أهل السنة و الجماعة، أنهم يقولون أن القرﺁن غير مخلوق. وهذه القضية قد اجابها العلماء من أهل السنة نقليا و عقليا. كما كتبها فخر الدين الرازي في كتابه. و أوضح الدكتور صالح بأن القرﺁن منزل غير مخلـــوق، لأنه صفة من صفــاته، أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وصفاته غير مخلوقة فكـــــلامه غير مخلوق. أما رأي الإمام أحمد فيه أن القرﺁن من علم الله، وعلم الله ليس بمخلوق والقرﺁن كلام الله ليس بمخلوق على كل وجه، وعلى كل جهة و على أي حال .

أما فى قضية القدر، أن الخوارج ارتكبوا مغالطات واضحة في فهم النصوص. عندنا لا شك أن أفعال الله كلها حسنة لا قبيح فيها. أن الله الخالق للعباد و أعمالهم. قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَاتَعْمَلُونَ﴾ ، و قال الله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ . فسرها غالب بن علي عواجي: "ذلك أننا لسنا مطالبين بالوقوف على ما عند الله من الأقدار. وإنما نحن مطالبون بالقيام بالأفعال التى يريدها الله و الإجتناب عن ما لا يريده" .

وفي مسألة الوعد و الوعيد ثم العدل، هذا الأمر تتعلق بخرية أفعال العباد المطلقة فهذا خطأ، لأن ذلك ينفي دور الله فى إيجاد الفعل للإنسان رغم أن الله قد وهب له القدرة و الإرادة.
أما فى قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجعلهم القوة "قضية السيف" أداة أصيلة وسبيلا رئيسيا من أدوات النهي عن المنكر وسبيل للجور والفساد من أهل القبلة فلا دليل لهم على ذلك. ولا يجوز أن يستحل دم المسلم إلا بما حدده الشرع، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، فلا يجوز قتاله واستحلال دمه ولم يأمر الشرع بذلك.


الخاتمة
بعد الانتهاء من هذا البحث، يستطيع الباحث أن يأخذ أهم نتائجه. أن الخوارج الأوائل غلاة ضالّون في التصوّر والاعتقاد والسلوك، مع التشديد والأخذ بالنصوص دون النظر فمن ذلك لا يقبال الباحث أكثر آرائها.أما الخوارج بعد ظهور المعتزلة هم يعتمدون على العقل في تقرير العقيدة كما يعتمدونه المعتزلة. ويقول الباحث أن الخوارج شبه المعتزلة في الكلام ولكن لا في الحراكة السياسية. فمن ذلك لا يقبال الباحث أكثر آرائها الكلامية.




قائمة المصادر و المراجع

القرﺁن الكريم
ناصر بن عبد الكريم العقل، ١٩٩۸، الخوارج اول الفرق فى تاريخ الإسلام: مناهجهم واسولهم وسماتهم –قديما و حديثا و موقف السلف منهم, السعود: دار اشبيليا
محمد صالح محمد السيد، ٢٠٠١، مدخل الى علم الكلام, القاهرة: دار القباء
جابر بن على المرعى, الخوارج والفكر المتجدد
على عبد الفتاح المغربى، ١٩٩۵، الفرق الكلامية الإسلامية, القاهرة: مكتبة وهبة
الشهرستاني، 1993، الملل والنحل، بيروت: دار المعرفة
البخاري, صحيح البخاري
أمل فتح الله زركشي، ٢٠٠٦، علم الكلام: تاريخ المذاهب الإسلامية وقضاياه الكلامية, فونوروكو: جامعة دار السلام
أبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي, الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، القاهرة: مكتبة أبن سينا
محمد عمارة، 1997، تيارات الفكر الإسلامى، القاهرة: دار الشروق
الأشعرى،1950، مقالات الإسلامية، ج ١، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية
علي أبو ريان، 2000، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام إسكندرية: دار المعرفة الجامعية
حسن محمود الشافعى، 1991، المدخل الى دراسة علم الكلام، القاهرة: مكتبة وهبة
غالب بن علي عواجي، 2001، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبين موقف الإسلام منها، الرياض: المكتبة العصرية الذهبية
محمد إبراهيم الفيومى، 1998، الفرق الإسلامية و حق الأمة السياسى، القاهرة :دار الشروق
الأشعري، كتاب اللمع فى الرد أهل الزيغ و البدع
أبي المعين النسفي، 2000، بحر الكلام، دمسق: مكتبة دار الفرفور
بلقاسم الغالى، 1989، أبو منصور الماتريدي حياته و أراؤه العقدية، تونس: دار البركى
أبى اليسر محمد البزدوي، 2003، أصول الدين، القاهرة: مكتبة الأزهرية للتراث
فخر الدين الرازي، 1992، خلق القرﺁن بين المعتزلة و أهل السنة، بيروت، دار الجيل

Pengunjung